سعيد حوي
1974
الأساس في التفسير
وعندئذ اتفق هو ومن حوله من بطانته على اعتبار أن ما صدر عن موسى سحر ، وأن الهدف من هذا السحر هو إخراج المصريين من أرضهم ، وتشاوروا في أمرهم كيف يصنعون ، وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره ، وإخماد كلمته ، وظهور كذبه وافترائه ، وتخوفوا أن يستميل الناس فيما أظهره ، فيكون ذلك سببا لظهوره عليهم . وإخراجه إياهم من أرضهم ، ومن ثم استقر رأيهم أن يتركه وأخاه مرجئا أمرهم ، وأن يرسل في أقاليم ملكه من أجل أن يجمع له السحرة من سائر البلاد ، وقد كان السحر في زمانهم غالبا كثيرا ظاهرا ، واعتقد من اعتقد منهم أن ما جاء به موسى سحر ، فلهذا قرروا أن يجمعوا له السحرة ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات ، وقد كان ذلك . وجمع السحرة ، وتشارط السحرة وفرعون : أنهم إن غلبوا موسى ليثيبنهم وليعطينهم عطاء جزيلا ، فوعدهم ومناهم أن يعطيهم ما أرادوا ، أو يجعلهم من جلسائه والمقربين عنده ، فلما توثقوا من فرعون بدأت المبارزة بينهم وبين موسى فعرضوا على موسى أن يبدأ هو أو يبدءوا هم ، فطلب منهم موسى أن يبدءوا ليرى الناس صنيعهم ويتأملوه ، فإذا فرغوا من بهرجهم ومحالهم جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطلع له ، والانتظار منهم لمجيئه ، فيكون أوقع في النفوس ، وكذلك كان إذ ألقى السحرة سحرهم الذي يشبه في الظاهر عمل موسى . ألقوا الحبال والعصي فخيلوا إلى الأبصار أنها أصبحت حيات حقيقية ، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال ، ولكنه سحر عظيم مبهر . وعندئذ أوحى الله إلى عبده ورسوله موسى عليه السلام في ذلك الوقت العظيم الذي فرق الله تعالى فيه الحق والباطل أن يلقي عصاه ؛ فإذا هي تنقلب حية وتأكل كل ما ألقوه وما أوهموا به . قال ابن عباس : فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته ؛ فعرفت السحرة أن هذا شئ من السماء ليس بسحر فخروا سجدا وأعلنوا إيمانهم برب العالمين رب موسى وهارون ، فما كان من فرعون إلا أن توعد السحرة لما آمنوا بموسى ، مدعيا أن غلبة موسى عليهم إنما كانت لتآمر بينهم وبين موسى ، بسبب أن موسى هو معلمهم السحر ، وهو يعلم - عليه لعنة الله - وكل من له لب يعلم أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل ، فإن موسى عليه السلام بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى الله ، وأظهر المعجزات الباهرة ، والحجج القاطعة على صدق ما جاء به ، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه ومعاقل سلطنته ، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر ، ممن اختار هو والملأ من قومه ، وأحضرهم عنده ، ووعدهم بالعطاء الجزيل ، ولهذا قد كانوا من أحرص الناس على ذلك ، وعلى الظهور في مقامهم ذلك ، والتقدم عند فرعون ،